مجمع البحوث الاسلامية

221

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وقد بيّنّا أنّه لا حاجة تدعونا إلى تأويل « الأيمان » بالأشياء المحلوف عليها ، وعلى مذهبه تكون ( ان تبرّوا ) في موضع جرّ ، ولو ادّعى أن يكون ( ان تبرّوا ) وما بعده بدلا من ( ايمانكم ) لكان أولى ، لأنّ عطف البيان أكثر ما يكون في الأعلام . وذهب الجمهور إلى أنّ قوله : ( ان تبرّوا ) مفعول من أجله ، ثمّ اختلفوا في التّقدير ، فقيل : كراهة أن تبرّوا ، قاله المهدويّ ، أو لترك أن تبرّوا ، قاله المبرّد . وقيل : لأن لا تبرّوا ولا تتّقوا ولا تصلحوا . قال أبو عبيدة والطّبريّ كقوله : * فحالف فلا واللّه تهبط تلعة * أي لا تهبط . وقيل : إرادة أن تبرّوا ، والتّقادير الأول متلاقية من حيث المعنى . وروي هذا المعنى عن ابن عبّاس ، ومجاهد ، وعطاء ، وابن جريج ، وإبراهيم ، وقتادة ، والضّحّاك ، والسّدّيّ ، ومقاتل ، والفرّاء ، وابن قتيبة ، والزّجّاج في آخر من روي عنهم أنّ المعنى : لا تحلفوا باللّه أن لا تبرّوا ، فيتعلّق بقوله : ( ولا تجعلوا ) . ولا يظهر هذا المعنى لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البرّ بل وقوع الحلف معلّل بانتفاء البرّ ، ولا ينعقد منه شرط وجزاء لو قلت : في معنى هذا النّهي . وعلّته إن حلفت باللّه بررت ، لم يصحّ ، وذلك كما تقول : لا تضرب زيدا لئلّا يؤذيك ، فانتفت الأذاية للامتناع من الضّرب ، والمعنى إن لم تضربه لم يؤذك وإن ضربته آذاك ، فلا يترتّب على الامتناع من الحلف انتفاء البرّ ولا على وجوده ، بل يترتّب على الامتناع من الحلف وجود البرّ ، وعلى وقوع الحلف انتفاء البرّ . وهذا الّذي ذكرناه يؤيّد القول بأنّ التّقدير : إرادة أن تبرّوا ، لأنّه يعلّل الامتناع من الحلف بإرادة وجود البرّ ، ويتعلّق منه الشّرط والجزاء ، تقول : إن حلفت لم تبرّ وإن لم تحلف بررت . وأمّا معنى التّقوى فظاهر ، لأنّه اتّقى أن يصدر منه ما يخلّ بتعظيم اللّه تعالى . وأمّا الإصلاح بين النّاس فلأنّ النّاس متى اعتقدوا فيه كونه معظّما للّه تعالى إلى هذا الحدّ ، محترزا عن الإخلال بواجب حقّه اعتقدوا فيه كونه معظّما للّه وكونه صادقا ، بعيدا من الأغراض الفاسدة ، فيتقبّلون قوله ؛ فيحصل الصّلح بتوسّطه ، انتهى هذا الكلام . وفي « المنتخب » وهو بسط ما قاله الزّمخشريّ ، قال : ومعناها على الأخرى يزيد على أن يكون ( عرضة ) بمعنى معرضا للأمر . قال : لا تجعلوا اللّه معرضا لأيمانكم فتتبذّلوه بكثرة الحلف به ، ولذلك ذمّ من أنزل فيه وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ القلم : 10 ، بأشنع المذامّ ، وجعل الحلّاف مقدّمتها ، و ( ان تبرّوا ) علّة للنّهي ، أي إرادة أن تبرّوا وتتّقوا وتصلحوا ، لأنّ الحلّاف مجترئ على اللّه غير معظّم له ، فلا يكون برّا متّقيا ، ولا يتّق به النّاس ، فلا يدخلونه في وساطتهم وإصلاح ذات بينهم . وقيل : المعنى ولا تحلفوا باللّه كاذبين لتبرّوا المحلوف لهم ، وتتّقوهم وتصلحوا بينهم بالكذب ، روي هذا المعنى عن ابن عبّاس ، فقيّد المعلول بالكذب ، وقيّد العلّة بالنّاس ، والإصلاح بالكذب ، وهو خلاف الظّاهر . وقال الزّمخشريّ : ويتعلّق ( ان تبرّوا ) بالفعل وبالعرضة ، أي ولا تجعلوا اللّه لأجل أيمانكم به عرضة ،